عجز

محاولة توجيه ..
هذا النص ربما هو نتاج محاكاة لأوضاع الآخرين، والتي تحدث بشكل لا إرادي، وربما هو تمادي ومحاولة صنع شيء محكم.

……………………………………………………………………………….

واقع تحت تأثير الوسط ..ربما هذا بسبب طبيعته الميالة للتماهي مع المحيط، بالأحرى الخوف من “أن أبدو مختلفا”..
التوجس من ” أن أبدو” أصلا..
الرغبة في الانسحاق شكليا في الوسط ..انعدام الهوية الظاهرية بشكل مطلق.
المحاولة قدر المستطاع أن لا نقع تحت طائلة المسائلة، تجنب الإجابة قدر الإمكان حتى لا تضطر لتبرير النفس..
لأن لا إجابة صادر عن مببرات راسخة.

تكره التبرير..حتى لا تكذب.
لأن التبرير دون الاضطرار للنفاق يعني قول الحقيقة  وأنت تعرف كم يمكن للحقيقة أن تكون قبيحة…
أو أسوء، قول الحقيقة قد يذهب بك لأماكن خالية داخلك.

الخوف من أبدو سخيفا أمام نفسي، وذلك يحدث عنما نقدم المبررات الجاهزة التي تضمن لك هزات الرؤوس …الخوف منها لأنها هراء ..لأن النفاق مؤلم.
الخوف من اكتشاف أنك منافق
الخوف من فقدان ما تبقى من قيم داخلك.
الخوف من أن تفقد ما لم يكن موجودا ..
أنت تأمل أن القيم موجودة وكفى وستظهر عندما يتطلب الأمر…
لكن المحك هو اختبارها… وأول هذا الاختبار هو التحقق من وجودها أصلاً.
ولا تستطيع أن تصرف فكرة أن سماع وتخيل كل تلك القيم طوال حياتك ..هو ما يجعلك تعتقد أنك تمتلكها.
مثل مبتدئ تسقط في فخ الخلط بين “ما تتمنى أن تكون وبين ما أنت عليه حقا”

أنت تقيم نفسك “بما لم ترتكب ”
مسجون داخل عجزك، كيف يحق لك التفاخر بفضيلة العاجزين.

العجز
ربما هو
كمية الرغبة المهدورة
أن تكون رغبتك بشيء هي أكثر بشعرة من قدرتك على تحصيله.

كأن يكون مفتاح الزنزانة معلق على ارتفاع هو أعلى بظفر من أعلى نفطة استطعت أن تفقز إليها..مهما حاولت من حيل أو طرق أنت فقط تسقط وأنت ترى المفتاح يتحرك من ريح يدك.

المدمر أن الرغبة لا تقبل التصريف …غير قابلة أبدا لإعادة الاستخدام في تحقيق أمر غير الذي وجدت لأجله ..أنها مخلصة بجنون لهدفها..إنها هي هدفها.
أنها فقط تغلي داخلك.
تمحو كل رغبة أخرى..

أن لا تريد أن ترغب..يعني أنك عاجز أيضا
وتجد أنك تعيش لأن ذلك ممكن.
كالماشية في أرذل عمرها تسقط أسنانها، تفقد القدرة تريد أن تفقد الرغبة لكنها لا تملك أن تفقد الرغبة …تموت جوعا.

لا تملك أن تهزم
شخص مهزوم الإدراك بروح لا تكف عن الرغبة..لأنها بكل حمق تطالب بحق تظن أنه مكفول لكل من كان إنسانا…ولا تفهم لم هذا غباء..ولا تكف عن طرح السؤال الغبي بكل وقاحة..” لم؟؟”

……..
الرغبة في أن تكون صالحا تساعد الآخرين…أنقى رغبة في داخلة…رغبة غير مطالب بتبرير وجودها…إنها كأول ضحكة لطفلك.
تلك الرغبة التي حملها كل العظماء والشهداء.
لكن مجددا أنت سخي في الرغبة…
لا شيء يشتغل..كل المسارات مغلقة وكل الأصوات تثقلك بأن ” غر صلح روحك قبل..انجو بنفسك” وهي محصنة بواقع غير قابل للجدال..
لكن هذا لا يكفي لكي تستسلم روحك ..كيف ستعيش دون أن تشمئز من جلدك إن أنت استسلمت بهذه السهولة
ستقول لأفعل ما استطيع ….وإلا فالشهداء أناس لم يكملوا مهمتهم.

لكننا معلقون بسلاسل للإنجازات..عقولنا تعمل عن طريق تقييم أنفسنا وأعمالنا….وما النتيجة.
وسريعا أو لاحقا سترفع رأسك لتعرف أين وصلت في رحلتك…وما ستراه لا علاقة له بهدفك، غالبا مكان سخيف…ستجد نفسك عالق في زحمة طريق جانبي بعد ما حاولت الهروب من زحمة السريع.
تشعر بالغضب من كل ما ومن حولك…وتلتقط نفسك تستغل فزع مرأة أو عجوز وعدم فهمه لربكة المشهد من حوله ..لأخذ مكانه كما يفعل أي رجل حاذق.
وترى في وجوه الناس ليس التوحش ..ولكن الفزع والهلع…الكل يقاتل من أجل نفسه أو من أجل أطفاله..وأحدهم قد سرق قوتهم .
قطيع الجواميس الذي لا يدري آخره أنه يدفع أوله للوقوع في الهاوية …
ويفزعك الشعور بالازدراء تجاههم ..وأنك لست بتلك الرحمة ..ورغم أنك تعلم أنهم كالماء في الوعاء..رغم أنك تعلم أنهم جيدون فقط بقدر ما يسمح لهم الوضع به…رغم أنك تعلم أنهم ضحايا ..ويروعك أنك ربما مثلهم عندما ينهار النظام ستأكلون بعضكم البعض.

وتشعر بالغربة عن نفسك ..والفزع من أنك تتحول لشخص يدوس الآخرين لينجو..
أنت مسلوب الإرادة كمن وجد نفسه في زحمة الحجيج على جسر ما ..ومع اختناقك تتحول صرخاتك التي كانت تدعوا للهدوء إلى صرخات غريزة البقاء..ولاتجد نفسك إلا وأنت تكسر ضلوع شيخ ما …وتدوس رقبة امرأة ما…و عقلك يحاول أن يجد المببرات حتى لا يجن …
أنت أصغر من أن تكون حالة خاصة مميزة…نكرة ..أنت أداة الجموع لسحق الجموع..
أنت شعرة سوداء في ثور أسود..
أنت قد تم عضك وتشاهد نفسك تتحول ..
أنت عاجز أن لا تتحول لزمبي آخر…والأمر يتم بآلية خطوط الإنتاج.

ولا تستطيع أن تقاول فكرة أن القادم أسوء..
ربما أنت قد غادرت أعلى نقطة منذ زمن ..وأنت الآن تسقط
ربما أنت في منحنى من التاريخ حيث الحق ينهزم ..ويتوارى ..وهو زمن الخسة والظلم
ربما أنت تعاصر ما عاصره ذلك الذي كان يقاتل ضد الفئة الباغية ..ورفع رأسه صبيحة صفين ..ليجد سبعين ألف رجل قد سفكت دمائهم…واجتاحته قطع الليل المظلم…روح نقية قد تم إتلافها للأبد..والقادم أسوء، لن ينتصر الحق والفئة الباغية سيؤول لها الأمر.

ربما أنت مواطن من هيروشيما في السادس من أغسطس 1945 مرت الطائرة للتو من فوقه وقد ألقت حملها…لا شيء يمكنه فعله…لا يهم كم أنت  ذكي أو نشيط أو فالح وحذق أو المكانة الاجتماعية أو العلمية …

أنت قد خسرت وانتهى الأمر.

……………..
تعجز أن لا ترغب أن تحقق وصية طاغور:

إنهم يصرخون ويتصارعون
ويشكون ويقنطون
ومعاركهم لا تعرف النهاية
فلتكن حياتك بينهم
يا بني
مثل لهيب النور
صافية وقّادة
تذهلهم بسحرها
إنهم قساة
في حسدهم وأطماعهم
وكلماتهم مثل السكاكين الخفية
ظامئة إلى الدم
فاذهب إليهم وأقم بينهم يا بني
بين قلوبيهم العابسة
وضع نظَراتك اللطيفة فوقهم
مثل أمن سماء الرحيم
يخيم على صراع النهار
دعهم يتاملون وجهك
يا بني ويحدقون إليه
وليتعرفوا على معنى كل الأشياء
واعمل على أن يحبوك ويتاحبوا
تعال بعد ذلك كله وخذ مكانك
في قلب اللاّنهائي يا بني
وافتح قلبك عند الصباح مثل الزهرة
التي تنوّر
وعند الغروب
اخشع في صمت
وتمّم عبادة النهار

………

عجز التمسك بالناس الذين تهتم لشأنهم …
كأنهم خيوط صيد يستمرون في الانزلاق…أنت لا تتمسك بالقوة الكافية…لا تتمسك بالطريقة المناسبة….أو ربما لا تفهم لم علينا أن نتمسك أصلا
لم البيئة طاردة..لم لا يبقى كل شيئ في مكانه.
أنت تتمنى أن تكون هناك لأجلهم..أن تعطيهم دائما الدعم والتطمينات المعنوية والمادية، أن تهتم بكل تلك التفاصيل التي يستحقونها ..
لكنك لا تجد الطاقة لذلك….الحياة في الخارج تمتصك…مجرد الخروج من البيت والتعامل مع الناس لساعات يقتات  عليك.
البعض منهم يتفهم لا يطالبك بشيء..يقدم لك الصداقة غير المشروطة وبعدها سبعة أبحر…تعال متى شئت ستجدني دائما مستعد لسماعك ومساعدتك..
لكن هذا سخيف الأصدقاء والعائلة وجودو لنعيش الحياة معا..لنمر معا عبر كل ما يحدث…لنصنع الذكريات السخيفة المضحكة..

………….

تعجز عن التخلص من الشعورالدائم بأنك مؤقت…كأنك مسافر تنتظر في الصالة الانتظار..
هناك حيث تشعر باللا انتماء تجاه كل شيء…
حيث كل العلاقات مؤقته …حيث لا تبخل لا بي ابتسامة أو محادثة ..أو افساح طريق.
لأنك تشعر بأن كل هذا بلا قيمة …بالأخرى أنت لا تخسر شيء…لا شيء على المحك.
ستجد نفسك تشتري سندوتش بخمسة أضعاف سعره العادي …بكل أريحية وربما بسعادة.
تسمح لهم بأن يخدعوك ..فاليفعلوا …هذا شيء مؤقت.
وكذلك أنت دائم التوتر ..قليل الثقة في نفسك ..مستعد لأن تؤمر فتطيع ..وتمضي في الخطوط المخصصة لك..وتمر عبر البوابات التي تناديك.
……………………….

تعجز على أن تفهم ماذا بحق الله يحدث..وبالتالي تعجز على أن يكون لك حكم على ما يجري حولك.
أن تعيش في فوضى من الإشاعات ..والشهادات المختلطة بالآراء الشخصية….أنت مأخوذ بالوسط حولك لا تستطيع أن تقاومه…أن لا تشعر بتأثيره..وأحينا كثيرة أن تخجل من مخالفته.
أنت عبد انحيازك المسبق للحكم الذي تتمنى أن يكون هو الصحيح ..

أنت لا تريد أن تعرف الحقيقة بقدر ما تريد أن تعرف أنك على حق

بل إنك محكوم بمزاجك ..مدى راحتك في نومك البارحة ..طعم قهوة صباحك…تسريحة شعرك التي لا تتروض…موبايلك الذي نسيت شحنه…كلها تلعب دورا محوريا في أحكامك بقية النهار ..

تعجز أن تكون حكم مبني على معطيات وتصور صحيح ومنهج صارم علمي..
المصادر لا تسمح ..وربما عقلك غير مؤهل ..
أنت نتاج مجتمع ذو بيئة غرائزية يتبع الأغلبية …حذر وغبي في نفس الوقت..ليس أكثر ذكاء من فأر يقترب بحذر من قطعة جبن مسمومة على طبق ذهبي.
أنت نتاج تعليم مزري ….تفوقك فيه يطرح تساؤلا عن مدى وعيك أصلا…تفوق يعميك عن جهلك بـ 99.99% من تخصصك.
أنت نتاج مجتمع يحجزك في طور المراهقة حتى تنجب.

وها أنت ذا ..عالق بدون معلومات..وإن وجدت أغلبها كاذبة أو نتاج حكم شخص ليس أحسن منك حالا..
وحتى تملئ الفراغات أنت  تلجئ لعقلك المصاب بتأخر وقصور ..
عقلك مصاب بضمور ..غير قادر على التفكير بأفكار مركبة ..أو أحكام قائمة على أكثر من مؤثر واحد..
فأنت لا تستطيع حتى أن تفهم أن كون شيء ما ممكن منطقيا.. لا يعني أبدا أنه ما حدث فعلا..
لا تستطيع أن تستوعب أن مقابل الأسود ليس الأبيض ..بل أكثر من عشرة ملايين  تدرج للألوان تستطيع عينك تمييزها..
فما بالك بأفكار أعقد..
أي فكرة تخطر ببالك تجري بها…مثل عيل أمسك سحلية ولا يطيق حتى يريها لأصدقاءه.
دون أن يخطر ببالك أنك تحمل مخلفات فكرية مشوهة…لا تساهم إلا في زيادة المشهد مرضا

قرأت مجموعة كتب وروايات جعلت تظن أن قادر على الحكم أحداث ووقائع تقع  الآن.
أنت لست إلا غرازئي آخر ..تجذبك ملذتك ..وتفر من خوفك…
الخطر الذي يهددك أنت ..هو الخطر الأعظم على الناس والبلد والعالمين.
في نهاية اليوم الكل يصاب بالذعر من الجريمة التي يشعر أنه ضحية محتملة -ولو افتراضيا- لها.

…………………………………

كذلك تعجز عن الإنعزال عن كل هذا ..
تقول ليذهبوا للجحيم …سأعيش لنفسي والخ
حسنا..
أنت مواطن في تشرنوبل ..قرر أن الانفجار الذي سمعه منذ قليل لا يعنيه..وأن لا شيئ يستحق أن يلقي الجريدة ويقوم من الكرسي الهزاز.
أنت تعمل  في برج التجارة العالمي …والهزة التي حدثت هي خطأ بعض المخابيل..وأنا لدي عمل لأنجزه.

لا يمكنك أن تنعزل لأنك لا تستطيع أن تتجاهل الحريق في بيتك..
لأنك على الأقل تريد أن تفهم لم كل شيء مؤلم هكذا…
لم الأمر وكأننا نعيش في “طابية هندي” دغل من التين الشوكي..
كل حركة مؤلمة..
ومع طلب الفهم لابد أن تسأل وتتابع وتشاهد ..وتصاب بالعجز.

…………………….

تعجز ألا أن تشعر بالعار..
عار الهزيمة كل ليلة..
عار النسيان كل صباح..
عار الاهتمامات التافهة.
عار الغرق في الالتهاء والانجازات الشخصية
تشعر بنفسك صغيرا أمام من اختلطت فيه الطيبة والعزيمة ..
البراغي الصغيرة التي تجعل هذه الآلة المتهالكة تستمر في العمل ..
لا  تستطيع حتى أن تقف لجوار أحدهم..
لا تحتمل اختلاف المعايير
هو يرى أن ما يبقى هو ما يذهب ..وأنت مسعور لكل ما تستطيع  الحصول عليه
هو يرى أن ما بقي من الشاة كلها إلا كتفها الذي أكله….وأنت تأكل وعينك على حصة أخيك
يعتريك العجز أمامه…تتمنى بكل رغبة أن تكون مثله..
لكن هذا أقصى ما تستطيع أن تصل إليه ..قبل أن يبتلعك جوعك و يسطوا بك هوسك .

…………………………………………

وأيضا تعجز أن تميت الحلم في قلبك..
تحلم بـ:
“أن أكون قادرا على إدراك واستعاب أي شخص أوجماعة من الناس أو فكرة أو نظرية أو علم ..وتحليله ..وتقييمه بشكل صحيح ..واختيار القرار الصحيح..حتى لو كان مؤلما أو صعبا ..والشجاعة للانحياز للحق دائما مع عدم خسران الناس بسبب ذلك ..وإنما جذبهم إليه معي”

تحلم..
أنك ستخرج من بيتك ولن تعود لتحارب الفساد والظلم والفقر..
وستكون في تلك المعركة الفاصلة ..التي لن يهمك كم فرص فوزك فيها ضئيلة ..
لكنك ثابت كأحد قوانين الفيزياء التي لا تتخلف..
لأنك وجدت معركتك..التي قمة المجد أن تكون بها ..
ذلك الحلم الخجول الذي لا يكف أن يظهر مع لحن أو قصيدة أو فيديو لطفل سوري خنق الماء اسم أمه وهو يغرق.

أو رفيق روح ..تشاركك عجزك.

عجز

في السخف

لأتحدث عن الشعور بالسخف..

لماذا ؟
لأن الطريقة المتبقية لمقاومة الشعور بالسخف.. هي محاولة الكلام عنه،الإحاطة به وتحجيمه.

لأن كل الحيل المعتادة لم تعد تعمل ..
القراءة.. المشاهدة.. الانسياق.. الضحك.. الإضحاك.. النوم بلا عشاء..إقفال حسابات الفيس وتويتر.. تصوير السحب ..تصنع الاكتئاب..،

كل هذا لن يمنع الشعور بالسخف في الصباح التالي.
بل هو سيزيد السخف ..

وستبحث من الساعة 6 إلى الساعة 9 عن سبب للنهوض من الفراش وأنت تحملق في السقف..
تحاول أن تتذكر أي شيء..أي شي ولا تشعر بالقيح في بلعومك يتصاعد.

الشعور بالسخف..!!

الشعور بالسخف هو ما تشعر به عندما يحاول سياسي جعلك تصدق كلامه.

عندما يسمي بلطجي نفسه شرطي، وتتم ترقيته في حفل عام.

عندما تسمع كلمة مؤسسة مجتمع مدني.

عندما يفخر أحدهم أنه فني إضاءة في قناة ليبية.

عندما تسمع بكلمة معاهدة جينيف.

عندما يتحدثون عن “مكافحة الهجرة الغير شرعية”.

عندما يُعرف شخص عن نفسه لك وهو يحرك يده على بطنه في حركة دائرية بأنه :” محلل سياسي”..

عندما يقال لك في بوابة : ” وين الرخصة القياة.. وأوراق المركبة الآلية؟”.

عندما ترى إعلان في الطريق عن ماستر التنمية البشرية بـ900 دينار والمدرب بجانبه يبتسم.

عندما تقرأ كل يوم خبرا عن تطورات قضية أحمد عز وزينة.

عندما تأتي طفلة تجري لأبيها برسمة المدرسة.. فيقاطعها قبل أن تصل : “امشي يا مصيبة جيبي طاسة مية”..

و عندما تكشف لشخص عن روحك.. فيقول لك هلّا ابتعدت قليلا حتى أرى الشخص الذي خلفك !

كل هذا  يقرر أن يستقر في سقف الغرفة عندما تفتح عينيك صباحًا.

وما فعلته كل ليلة سابقة هو ما يزيد الأمر سوءً

*******

حقًا إنني أعيش في زمن أسود..

الكلمة الطيبة لاتجد من يسمعها..

الجبهة الصافية تفضح الخيانة..

والذي مازال يضحك..

لم يسمع بعد بالنبأ الرهيب..

أي زمن هذا ؟

– برتولت بريخت

***********

الشعور بالسخف تجاه كل شيء ..
كسخف أن ترى ملصق لوزارة الداخلية على سيارة بلا طارقات..

تشعر بالسخف من كل شيء ..
لأنه مهما كان ضخمًا جميلًا هو يرتكز على شي صغيرهش خبيث.

وأنت ترى كل هؤلاء المتزاحمين في السريع كل صباح …
كيف يجدون كل هذه الهمة للدبيب في الأرض ..

وتتساءل : كيف وجد هذا الطاقة الروحية لربطة عنقه !..أعني كل تلك اللفات والعقدات.
وذلك الذي لمّع سيارته أول شيء صباحًا ..
تلك التي رسمت على وجهها ديكور جبس من المكياج ..
هذا مع تسريحة شعره.. تبدو معقدة فعلًا.

أيضًا تلك الأصوات القادمة من الراديو والبرامج الصباحية..تلك التي تتلو الحِكم الصباحية ..اليوم سمعتها تقول : ” لا تقل لا أاستطيع .. بل لا أريد .. لأنك يا عزيزي المستمع تستطيع تحقيق أي شيء تريده”..ومع آخر كلمه يختفي صوتها ليأتي لحن لزج آخر..

تقول لنفسك أن كل هؤلاء لابد أنهم حققوا أشياءً عظيمة في حياتهم حتى يكونوا هكذا..
إنجازًا خارقًا يقاومون به وحش السخف عند كل ليلة..وعند كل صباح.

لكنهم فقط مثل الملايين الآخرين يملكون شيئًا ضروريًا للحياة، هو : وهم أنك مهم .. وأنك لك بصمة .

الكل يملك ذلك الشيئ .. يشبه بالونة هيليوم مربوطة في مؤخرة عنقه .. وتجعله يقف .. منكوس الرأس ربما…
البعض بالونته حدث قام به من سنوات .. أنه تخرج من الجامعة مثلا.. ربما الأول على الدفعة ..
آخر بسبب نجاحٍ في عمله ..وراتبه.
آخر بسبب أنه ” يطرح في لبسه” مليح … وأكبر مصيبة يمكنه أن يتخيلها أن يٌرى بشعر مشفشف في الشارع ..

وليس أقل بؤسًا شخص فخره هو عدد الكتب التي قرأها… الشعر الذي يحفظه… اللغة الإنجيلزية التي يجيدها… نعم هذا يمنعه من الشعور بالسخف..
هو يعرف أسماء الكتّاب دور النشر وكم ترجمة لذلك الكتاب…يشاهد السنما الأروبية لأن الأمريكية سطحية ولا تملك معنى..يتحدث دائمًا عن روايته التي لم تنتهِ بعد..
أصدقاؤه كرهوا كلامه المعتاد.. وتلك الملاحظة التي ظن أنها ذكية عن طبيعة الليبيين .. أو نهضة أوروبا… ويرددها في كل فرصة .. هو يتحاشى ذكرها مرتين لنفس الشخص .. لكنه يفقد السيطرة على نفسه عندما يجد حوار أمامه .. ويعيدها مجددًا… خاويًا من داخله إلاّ من جدول من العناوين والأسماء.

***************

أعرجُ يمرُّ مادّاً ذراعَه إلى طِفْل
فهلْ سأقرأ بعدَ ذلك أندريه بريتون؟

آخرُ يرتعشُ من البَرد يَسعلُ, يبصُقُ دَماً
فهلْ يُجدي التَّلميحُ إلى الأنا العَميق؟

آخرُ يبحثُ في الوَحلِ عن عِظام وقُشور
فكيفَ نكتبُ بعد ذَلك عن اللاّنهَاية؟

بنَّاءٌ يَسقطُ من أعلى سَطحٍ, ويموتُ دونَ تناولِ الغداء
هل سنبتكرُ بعد ذلك الاستعارة والمجاز؟

أحدُهم يَمضى مُنتحِباً في جناز
كيفَ يمكنُ الالتحاقُ بعدئذٍ بالأكاديمية؟

أحدُهم ينظِّفُ بندقيةً في مطْبخهِ
ما قيمةُ الحديثِ عن الغَيب؟

– قيصر باييخو

*****************

آخر هو ” إعلامي” يتوارى من القوم من سوء اسم مهنته..

الإعلام الذي أصبح أكبر تجمع للعاطلين عن العمل..

كمثل وظيفة سيارة الأجرة قديمًا التي كانت لا تتطلب شيء تقريبًا..
تذهب المساء لوكالة السيارات .. ثم .. تن ترا… في الصباح التالي أنت تشتغل..

يتمنى ” الإعلامي” فعلا لو تقدم الجهة التي يعمل بها شيئا…يتمنى لو تقدما شيئا ذو فائدة أو شيئا ممتعا أو أي شيء حتى لو كان مسلسلا تركيا.
يتمنى أن يشكرها الناس .. حتى يشعر ببعض الفائدة من اللا شيء الذي يقوم به.

لكن حتى هذا لا يتحصل عليه.. يشعر بالهراء الذي يسبح فيه.

لكن لا يستطيع أن يخرج أو يستقيل..
ولو كان مهنيا حقا فبؤسه أكبر..أين تلك المؤسسة المحترمة؟؟
أين سيذهب .. كيف سيعيش.. من سيقبل به ..

وكالات التاكسيات الخاصة لم تعد موجودة تقريبًا ..

**********************

يمكنك تخيل مشهد تنصيب ملك.. بكل الحاشية والفرق الموسيقية .. والشنابات الذين يهرولون في الخلفية… وكل تلك الاتصالات والترتيبات والأكل والأضواء..والطرق المغلقة والمهابة التي على الوجوه والانحناءات التي في الظهور … ثم تخيل أن الملك في الحقيقة هو أغبى شخص من بين الحضور وأقلهم مهارة ولا يستطيع ربط حزام سرواله … لكن الجميع يمتحن من معين حكمته ويقهقه لما يفترض أنها نكته … حسنًا هذه صورة من سخف العالم..

 **********************

ين الحين والآخر -الناس – تحدث لهم صدمات … موت شخص قريب … فقدان العمل … أن يتم ضربه أمام البنات في الجامعة

فيشعر الإنسان وقتها بالسخف..  لأنه ولأول مرة في حياته ربما… والأخيرة أيضا يقوم بتلك العملية الخطيرة … تقييم الذات .

لا أعني بالطبع عملية تقييم الذات المخادعة التي نقوم بها جميعنا عندما نحاول أن نكتب سي في، أو نتحدث عن أنفسنا أمام الآخرين أو داخل أنفسنا… تلك خدعة رخيصة لأننا حينها نتحدث ” بما نحب أن نكونه” وليس ” بما نحن عليه فعلا”… أوهام كثيرة وقتها تحشوا رؤوسنا … نمدد إنجازات سابقة هي بدورها موضع سخف.. لكننا نعتبرها إنجازات ونجعل تلك “الإنجازات” هي هويتنا…
مثلا:  أنا عندي “متتبعين” هلبا في النت إذن أنا شخص ناجح.. وكل ما أقوم به هو انعكاس لشخصيتي “الناجحة”..حسنا يا عزيزي.. أنت كيس من الهراء يحب الناس مشاهدته يتدحرج..

إن صدمات الحياة تلك تجعل كل تلك “الإنجازات” في مهب الريح.. وتتهاوى الديكورات الزائفة….أنها تجعلك وجهًا لوجه عاريا أمام نفسك… لأنك عند الصدمات ترجع لرصيدك الحقيقي.. إلى تلك الأرض الصلبة التي تريد أن تقف عليها.. لتنهض من جديد..
فتكتشف أنها برميل خشب زلق وسط بحر.

إن عملية إعطاء كل شيء في حياتنا قدره الحقيقي.. هي عملية خطيرة.. لربما انتحار البعض كان نتيجةً لها..

أكبر مخاوفي هي أن يكون لدي “القدرة على إعطاء نفسي قدرها الحقيقي، دون المقدرة على جعلها أفضل”

*******

وفي أسوأ حالاته.. السخف هو عقاب للنفس جراء إيمانها بقضية تتحول لسلعة للمتاجرين والحثالة والجبناء..

أن يتم إخراج الإكثرات منك .. بعد أن قتلته في داخلك لسنوات ..

تأتي قضية فيتحرك فيك شيئا… تؤمن بشيء أخيرًا..

أنت الذي لا تتكلم إلا بالتهكم.. والبرود هو أسلوبك في الحياة..

وربما تتغنى أمام قروبك أنك لا تهتم إلا لنفسك … وستعيش لأجل نفسك.

لكن تأتي تلك القضية الرائعة فتجد نفسك تصرخ .. وتتحمس.. وتضع حياتك فداءً للآخرين.

ويعقب هذا شعورٌ طاغٍ بالفخر ..

لأنك في الحقيقة آمنت بنفسك … نعم أنا جيد .. أستطيع أن أتغير .. أنا وقفت مع الحق..

ثم يسرق كل هذا منك ..

ويركب الحثالة على ظهرك .. وهم يصفقون لك .. ويمجدون الشهداء

ويتكاثر القيح في قلبك … تذكر أسماء أولئك الطاهرين الشهداء .. تعرف منهم أشخاصًا.. كنت تلتمس النقاء فيهم.

تتصارع فيك الأشياء .. ذلك النقاء … وهذا القبح.

ذاك السمو .. وهذا الانحطاط ..

أولئك الذين ارتفعوا للسماء… والحثالة الذين ملغوا في تركتهم.

وتكون مع صديقك في سيارته فيتوقف على شخص يعرفه … وبعد السلام يعرض على صديقك بشكل جدي ” أدفع عشرة آلاف دينار … وغدا يوقع الوزير قرار إيفادك”…

فتشعر بالحفرة تحت قدميك .. كانت تلك أول صدمة … وتشعر بالسخف الآن لأنك اعتبرتها صدمة في ذلك الوقت…

لكن هناك سبب أعمق للشعور بسخفك ..هو أنك تعلم أنك لم تقدم كل ما يمكنك ..,انك لسيت بأي شيئ جيد.

تحاول أن تعود لبرودك وتلقي العالم خلفك .. لكن هذا عهد قد مضى …

تشاهد أولئك الذين يدعون أنهم باعوا القضية .. وبياخدوها بجوها …ويتحدثون عن ” الهجة ” والعبور لما وراء البحار

وأن لا شيء يهمني في بلادكم هذه …ولا يفوت فرصة لإظهار استخفافه بكل من يتحدث عن الوطن ..

كل ليلة يخرجون بهاش تاق ساخر .. يضحكون بمبالغة…

وعندما لا تعد اللعبة تجدي يكسرون عمقا آخر ..

يشتمون يفتعلون المشاجرات … يتنافسون في إظهار السطحية … لأني إن كنت سأشعر بالسخف غدا صباحا على أي حال … فلأشعر به من أجل شيء ممتع…

لكن لكل منهم كانت لحظات يستيقظ فيها ذلك الوغد الذي يكثرت فعلا … تشعر بالحسرة في كلماته…

وتعرف أنه سيشعر بسخف هائل في الصباح التالي…لأنه وقع في الفخ مرة أخرى ..واكثرت

لهذا يعود أشد عداوة …ويشتم الجميع .

لأن أول مراحل السخف هو كره النفس والآخرين.

****************

كما نبحث عن الإلهاء في الترفيه … فإننا نبحث عن العزاء في الأشخاص ..

تبحث عن ذلك الشخص THE ONE ..

لأنه يجعل حياة أكثر إحتمالا ..

أو ربما سيجعلك أقل سخفا أو شخصا أفضل ..

لأنه يجعلك تؤمن بأهمية الأشياء التي قررت مسبقا أنها  سخيفة ..

ستعود بحماس للاهتمام بالتفاصيل .. بالأماكن .. ربما حتى تهتم بصحتك .. ولباسك ..

ربما تهتم بدراستك … لماذا .. لأن هناك من يهتم.

لأنه مهما قالوا لك “افعلها من أجل نفسك” .. لكنك لم تفعل .. وأنت الآن عالق هنا..

لكن حتى هذا قنبلة سخف كارثية..

لأن برحيله .. تفقد مئات الأشياء قيمتها، تلك الأشياء التي قلتها والتي اهتممت بها لأجله ..

أو تظن أن هذا ما حدث ..

أنه يذهب ليتركك شخصًا أسوأ .. لأنك من قبل لم تكن تكثرت لكل تلك الأشياء … لكن الآن أصبحت تكرهها …

***********

كسخف أن أعود الآن لأصحح الأخطاء الإملائية في هذا الهراء…

أعلم أني غدا صباحا ساشعر بسخف بحجم هذا الكلام…

ولن ينجو من السخف عندي في الصباح :

إلاّ جائعٌ .. ورجل خرج ليطعم هذا الجائع..

ومظلوم .. ورجل خرج ليرد لهذا المظلوم حقه..

في السخف

تجربة الاقتراب من الال تي تي NLE

 

في نهاية كل شهر” إل تي تيتي “..وعندما يكتمل القمر في الأفق..

( صوت سلوقي يعوي في الخلفية)

يتم إخلاء البيت ..اترك فيه لوحدي …يأخذون الأطفال ويرحلون في صمت مهيب ونظرات منكسرة…

يسكروا أبواب الحوش بالسلاسل من برا في حزم…

يتركون لي ستة كروت  فئة الخمسة دينار للدفع المسبق لشركة LTT لتعبئة  ما مجموعه 30 دينار…هو قيمة الاشتراك الشهري…
هذه مذكراتي أنا محمد أبوغرارة ..الليلة وعند منتصف الليل سأتصل بمنظومة للـ تي تي 116 لتعبئة الكروت ..( صوت رعد وبرق وريح وآر بي جي في الخلفية)

ليكن الله في عوننا جميعا …

.

.

( صوت الاخ السلوقي مرة أخرى)

**********

من ويكيبيديا:

تجربة الاقتراب من الموت  Near death experience NDE هي ظاهرة غير طبيعية نادرة الحدوث. تتلخص ماهيتها في أن البعض ممن تعرضوا لحوادث كان كادت تودي بحياتهم قد مروا بأحداث وأماكن مختلفة، منهم من وصفها بالطيبة والجميلة ومنهم من وصفها بالشر والعذاب. من أكثر التشابهات التي رويت في تلك الحوادث مرور الشخص بنفق إما أبيض وإما مظلم حتى يصل إلى نور أبيض. لا يوجد تفسير علمي للظاهرة ولكن بعض العلماء حاول تفسيرها على أن العقل الباطن هو من يفتعل تلك الأحداث وتلك الأماكن لتسهيل عملية الموت.- المصدر

**********

لعدة شهور في بداية هذه السنة موقع منظومة شركة ليبيا للاتصالات والتقنية الخاص بالاطلاع علي حالة حسابك و تعبئة كروت الدفع المسبق…لعدة شهور كان متوقفا عن العمل ….ولشهور عديدة كان علينا نحن المعذبون في الأرض أن نعبي كروت الشحن عبر الطريقة الوحيدة المتاحة…هي منظومة الهاتف 116..سيئة السمعة …مخاطرين بذلك بزهرة شبابنا بالتعرض المنتظم لصوت تلك المنظومة.. ..ومقدمين عبر تلك المرحلة قوافل من شباب زي الورد راحوا ضحية هذه المنظومة الخبيثة.

هذه التدوينة هي تخليد لتضحياتهم …وكتابة ببخاخة على حيط الزمن ..كشواهد الجنود المجهولين.

*****************

 

يبدأ الأمر عندما ينقطع النت قبلها بيوم أو يومين…

وصدقني يا برو مهما تكرر الأمر، ومهما خضت التجربة، تبقى بنفس المرارة ..

لكن قبل هذا.. الاعتراف بأن الحصة الشهرية قد انتهت هو أمر جلل ..و لا يتم التسليم  والاعتراف به بهذه البساطة.. ولا يتم حتى طرحه كاحتمال وارد .

في الأول يتم تطبيق جملة من قواعد الاشتباك وخطوات متسلسلة حتى نصل لتشخيص الحالة على إنها انتهاء للحصة الشهرية قبل موعدها…إجراءات مكتوبة بصرامة.. يشرف على تنفيذها أحد أعضاء الأسرة الكبار في السن مع حضور شخص ثاني للتذكير:

1- تطفي الوايمكس وتستنا نص دقيقة وتعيد تركبه ( تكرر العملية لثلاث مرات على الأقل الفاصل الزمني خمس دقائق كحد أدنى)

2- افتراض أن النت مقطوع علي ليبيا كلها .. والكيبل  ناتشاته فكرونة ضخمة تسكن أعماق البحر ..أو تمت سرقه من قابينة سوق الثلاث وسيتم بيعه بالميترو.. ويتم التأكد من ذلك بأن أحد أفراد الأسرة يخش بنت الشفرة ويشوف التايم لاين كانا في أخبار مبشرة زي هكي.

3- افتراض إن الانتينة في جيهتنا فاسدة…ويتم الاتصال بأرقام الجيران ..(الأرقام تكون مكتوبة في ورقة بخط واضح ومعلقة في مكان بارز جنب جهاز الوايمكس ) ..ويتم سؤاله بشكل مباشر وواضح هل عندهم نت ” الآن” أو لا.

عند اجتياز كل هذه الخطوات ..بتم الاعتراف بالأمر رسميا…يفصل الجهاز من الكهرباء وتسجل ساعة  وتاريخ الوفاة….

وتقول بصوت ضعيف لا يسمعه غيرك ..” كمين …تم الرصيد ..وبنروحوا كعابي”

………

أول ما يتم الرصيد نشبح لخوي…
الأمر اشبه بمبارزة الأسلحة  في أفلام ” البنتيتي” الغرب الأمريكي …اللي يقولها الأول ينتصر ” خود الكروت عبي الرصيد “….

لكن لازم ما تقولهاش بسرعة ..وإلا هيكون موقفك بايخ ..وتطلع فيها عيل….مهارة كيف تحشي خوك في المهام ..
نفس مهارة كيف تتهرب من رفع أهلك لحوش عمك ..وتشاهد خوك وهوا رافعهم وطالع يصطرب بالسيارة في غيظ.
خوي  الوغد المرة هذه لعبها صح..اشري هوا الكروت ….طلعهم من جيبه وأعطاهملي…أنا بطة ميتة…

لعبة قذرة وقاعدة صارمة ..اللي يشري الكروت عنده ميزة إنه مُعفى من مهمة تعبئة الكروت.

خديت منه الكروت في غضب …واحترم هو غضبي طبعا …واعطاهملي مخروطات.

………………………………….

أيها الغر ..دعني أخبر بأسطورة يتم تداولها في البلدة.

مهما كنت سعيدا…” سواء  كيف واخذ الدكتوراه أو كيف محصل هاردسك معبي أفلام…أو حتى كيف فريقك المفضل رابح التشامبينزليج….ولو حتى كيف طلعتلك تأشيرة الشناجل و السبت الجاي طيارتك درجة أولى A380.

مهما كنت سعيدا ومتصالحا مع نفسك والعالم ..واللي يوقفك يمشط منك سيارتك تمشي تعطيه حتى مفتاح الاحتياط …

أو كنت واخد جميع كورسات وماسترز التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية ..وتعطي حتى في الكورس بألف دينار..
أوكنت خليط من جينات غاندي ومانديلا

مهما كنت هذا أو أكثر…

اللحظة اللي تكمل فيها تجربة تعبئة كروت لل تي تي عن طريق المنظومة 116 …حتكون كائن غير بشري كرومسوماتك لم تعد  23 زوجا بعد الآن ……كائن ما طالع تجري تدور على بطمة تدمير العالم ذاتيا ليضغط عليها وأنت تضحك في جنون…والمفروض يكون في شخص ينتظر فيك علي مسافة آمنة يحمل بندقية تخدير ” يا ريت تكون بتاع وحيد القرن أو فيل مكلوب ” …ويعطيهالك في عنفقـتك ..حتى تسقط في غيبوبة 72 ساعة ..تستيقظ بعدها شخص محطم نفسيا محتاج علاج نفسي.

 

………………………………….

 

أقضي الساعات الأخيرة قبل موعد تعبئة الكروت  في الرجوع للذات ومحاسبة النفس ومراجعة مواقفي….ويمكن حتى اتصل ببعض الناس نطلب منهم السماح …وشعور بالتسليم والاتحاد مع الطبيعة يعم جنبات مشاعري.. في استعداد كامل لمصيري.
لكن كل ما اقترب الموعد ننسى الهدوء ..ونتفكر عذاب الشهر اللي فات …ونفكر جديا نهرب ونشرك الكروت …شن فيها كانا قعدنا بلا نت ….نعاود علاقاتي مع ولاد الشارع …ونطلعوا زرادي …ونحييوا عادة الوقوف تحت البالو.

لكن للأسف ولاد الشارع كلهم خشوا علي الفيس والنت…والبالو داروله صفحة..وأصبحت العكسة غادي

حتى فكرة الانخراط مع الشيابين وممارسة الشكبة تحت صور خزان قدح فاشلة …نادي الشيابين مستحيل يقبل بيك ..شروط الانضمام ليه أصعب من شروط نوادي اللوردات الإنجليز.

لهذا ومثلما على الرجال أن يفعلوا .. ومستحضرا في نفسي أرواح الأبطال عبر التاريخ وتضحياتهم …اتوجه للغرفة اللي فيها التلفون الأرضي ….

غرفة بسيطة …تم تصميمها خصيصا لهذه المهمة…ما فيهاش أثاث ..ما فيهاش ساعة معلقة ..مافيهاش طاولة مرش….ببساطة مافيهاش حاجة تتكسر منين تفقد أعصابك والأهم لا شيء في السقف تشنق فيه روحك لو خرجت الأمور عن السيطرة…تشبه لحد كبير غرفة المجانين اللي يشكلوا في خطر على أنفسهم وعلي العالم حولهم ..انظر الصورة المرفقة.

عند الدخول أقوم بتسليم كل متعلقاتي الشخصية : الموبايل “من أجل سلامة الموبايل نفسه “….وحزامي طبعا وحتى خيوط السبيدرو (نفس أسباب شنق النفس)…” من سجن في الماضي يعرف عما أتحدث”

 

9596804-mental-hospital-padded-room-seen-from-above-with-a-single-bed

 

……………………….

أيها الودان الجبلي الجافل…
يا من تركت ربيع السهول

وارتقيت الجبال الصلعاء

مخاطرا بكسر رقبتك

هل أصابك داء؟

أم ببساطة جربت عبيت كروت للـ تي تي..فخشيت الخلاء ؟

مااااااء

“أبيات للشاعر إبراهيم خليل…هئ”

…………………

 

اجلس قدام التلفون ..جلسة التلميذ أمام استاذه..
ونزيد نخرط الكروت بعناية أكبر ..بحيث ما يختلطش عليا 9 بـ 8 ..أو 7 بـ 1

ونتصل بالمنظومة ….116

يجيني صوت سيدة المنظومة ” مرحبا بك في خدمة ليبيا للاتصالات واالتقنية..الرجاء اختيار اللغة ..للغة العربية اضغط واحد…للغة الانجليزية اضغط اثنان”
نختار اللغة …

ثم نبدأ نتوغل في مجاهيل المنظومة ..

تدخل رقم العقد ..والرقم السري .
تمضي خطوة أخرى في اللا عودة

تختار خدمة الوايمكس

تختار إعادة التعبية …

الآن تبدأ الحفلة ..

تعيد المنظومة تذكرك برقم عقدك من جديد

بصوتها القاسي كطلقة 23 بالمغايط

” أدخل رقم البطاقة …متبوعا بالمربع”

( ملاحظة : معليشي يا خوتي دعوني أسمي المراحل السابقة باللون الأحمر بـ ” مراحل الهرولة بيك ” ..سايروني في هل التسمية ..والأسباب نوعدكم نوضحها لقدام شوية”
هنا تبدأ مشكلتنا مع المنظومة ولا تنتهي …وهنا تسلبنا حبنا للحياة …و بصيص الأمل في غد أجمل

تدخل أرقام البطاقة المكونة من 13 خانة …تدخلها بحرص حتى ما تغلطش…و أوووبس

تاسع رقم غلطت بندخل سبعة دخلت ثمانية …الصمت يعم ..لا يوجد حل للتصحيح…لكن الليبي عمره ما يردها لتالي

تضغط مربع وخلاص ..
المنظومة تعيد علي مسامعك الرقم اللي إنت عارف إنه ناقص خاطئ ..ثم تسألك ” إذا كان الرقم صحيحا واحد..لإعادة التعبئة اضغط اثنان

تضغط اثنان طبعا…وتقول المرة هذه نعبي بحرص ..علاش التشحيط..

تبدأ تدخل الأرقام مرة أخرى بحرص وبطئ وكأنك تدخل في رموز قنبلة موقوتة …وين توصل في الخانة العاشرة..اووبس…يبدو إنك كنت ابطئ من اللازم …شنو قاعدين علي حسابك ..والمنظومة دقيقة وقاطعة.

تقص عليك المنظومة ” رقم  الكرت الذي أدخلته هو ..واحد خمسة سبعة
تي استني يا دعوة قاعد ما كلمتاش …وااااك

لكنا تسمر…طبعا الرقم ناقص. “ إذا كان الرقم صحيحا واحد.. لإعادة التعبئة اضغط اثنان

.تضطر تضغط رقم اثنان…

وهيا  من جديد وبدون كللل أو ملل ..وبكل إخلاص …تعيد عليك رقم عقدك ..
ثم تطلب منك إدخال رقم الكرت..

تبدأ من جديد كلن المرة هذه إنت مستعد “ إلاما نوريك يا ولية ”  هذه المرة اكتسبت خبرات في الضغط بسرعة وقوة ..والمطلوب هو السرعة وليس التسرع يا محمد ..نقول لنفسي ..

الحمد لله المرة هذه استطيع فعلها والوصول للرقم الأخير ثم اضغط المربع..
يلا يا أبلة ..

تعيد الحاجة علي مسامعك أرقام الكرت ببطء ..وانت مطرشق ودانك معاها وعيونك في الكرت ..
ماشية الأمور تمام إلى أن تصل لآخر ثلاثة أرقام “ …. ثلاثة سبعة ستة …إذا كان الرقم صحيحا اضغط واحد.. لإعادة التعبئة اضغط اثنان

فنصيح زي من طاح علي صبع رجله بامبلة غاز:  ..هييه إنتي..ستة شنو….أني دخلتها ثمانية …منين جبتيها الستة هذه …
لكن المنظومة اللي عافسة على رقبة ستة مليون ليبي وتحطّم على أقدامها جحافل الشجعان…أنت اتفه من أن تلتفت إليك ..أو تسمعك …فقط يأتيك الرد كرفسة فرس ” إذا كان الرقم صحيحا اضغط واحد.. لإعادة التعبئة اضغط اثنان
مكسور العين والخاطر …وسيف الظلم مرشوق في كبيدتك ..وأنت تردد ” مظلوم يا ناس ..والله إلا دخلت ثمانية”
لكن كعبد في السلاسل تستسلم وتضغط اثنان…

هنا تأتيك الطامة ….ذلك الكف الذي لن تستطيع رده في حياتك ” واللي ضرباته للـ تي تي ..راحت فيه “…يأتيك صوت المنظومة الذي طغى وتجبر:
-“ لقد قمت بثلاثة محاولات خاطئة …الرجاء المحاولة مرة أخرى ….مع السلامة

توت ..توت ..توت...” المنظومة سكرت علي وجهك

 

لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااع ع ع ع 

وتنفجر في ثورة عادلة ..تضرب فيها التالفون تيروا بتاع ابراهيموفتش…

لكن بعدها يضرب شاهد العقل..و زيك زي السلوقي ترد التلفون لمكانه…وتدور علي الكروت اللي طاروا في إثر الثورة الفاشلة.

 

هذه هي قوانين المنظومة الصارمة …لا تهادن ولا تجامل ..

هنا عليك أن تعيد “ مراحل الهرولة بيك ” كاملة …هل عرفت الآن سبب اختصار كل تلك الخطوات في كلمة واحدة…احمد ربك أني نعاود فيهم كاملات كل مرة

وهكذا يتكرر هذا الأمر مع كل الستة كروت ….

طبعا أنت هنا تتساءل يا أيها الشخص البغيض اللي عايش برا ليبيا …لواه عليك يا غبي يا محمد تعبي بكروت الخمسة …واضحة اشري كرت 30 دينار …وأكيدة الشركة مدايرة كرت 30…اشريه وعبيه مرة وحدة بس…علاش

حاضر نجاوبك قتلي  الشركة مدايرة كروت 30 ؟؟ :
أنا : هههههههههههههههه

احبيك: هههههههههههههههههههههه

Ping   :ههههههههههههههههههه

موظفي لل تي تي مجتمعين : ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

سيدة المنظومة بنفسها : ههههههههههههههههههه ..احم … للاستمرار اضغط واحد

 

كما قلت تتكرر العملية …ستشعر أنها تحدث للأبد…
يتخللها حالات إغماء  وفقدان وعي…استيقظ مفزعا …اعاود المحاولة ..

طبعا يحدث الانهيار العصبي  …صراخ هستيري …نلقى روحي شاد السماعة وناتشها بسنوني..

.ونجرأ إني نصرح في وجهة المظومة الماسونية ..وهي تردد بلا رحمة: ” رقم العقد هو اثنان صفر صفر صفر صفر..”
” من أنتتتتتم ….علاش هكي ….جاوبوني …عارفكم تسمعوا فيا …صارحوني …شن تبوا …هاه…

من أنتم ..ردوا ….ترد

من وراكم ..قداش قبضتم الثمن ..؟؟
أني ليا خمس سنين مشترك معاكم …وكم من شهر خلصت قبل ما يتم الشهر …وقداش مرة يتم الشهر والحصة مازال فيها ..وتريح عليا

الجهاز يحشوا فيه في السوق السودا بـ 800 دينار برا ..والعقود جديدة ..

” لحظات تخنقك العبرة والدموع ”

ماعندوكمش رحمة بالشعب ”

فترد علي معذبتي ” صفر صفر صفر صفر صفر صفر…

فاسقط صايخ ..واني نخترف…

يرجى إعادة المحاولة فيما بعد ….مع السلامة

لكن المنظومة لا تقتلك …إنها تريدك أن تعود لها الشهر القادم لتلهوا بك …لهذا بين الحين والآخر تعطيك محاولة صحيحة تفرح بها ولا تفقد الأمل…

 

في نهاية الليلة ومع ضوء الفجر …يخشوا عليا في الدار …

يدخل أخي هو الأول دائما قبل الآخرين … يخش يجري  ببطانية جيش لأنه يعلم أنه سيجدني قد شركت شلاتيتي …

يجدني دائما في التركينة ملتوي علي نفسي زي اللفع ..
ارفع بصري إليه وأقول بصوت ضعيف زي مولد بشمعة واحدة:

-” عبيتهم يا خوي…عبيتهم….انتصرت عليها …إهئ إهئ ”

يلفني بالبطانية وهو يقول:

– ” انتهى كل شيء الآن …كل شيء سيكون على ما يرام”

 

 

وبينما يحادوا فيها للخروج من الغرفة …نشوف للتلفون …ويخيل إلي أني اسمع صوت ضعيف طالع منه :

سانتظر لإعادة المحاولة الشهر القادم ……بوهههههههههه

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التدوينة طويلة لإن بعد الآلام كالملاحم لا تختصر…u_u

 

 

تجربة الاقتراب من الال تي تي NLE

وقت الرصاص

أفكر أحيانا أنه  :

” في قت الرصاص  ليس هناك أكثر فضيلة من أن تطلق الرصاص في الإتجاه الصحيح ”

هل هذا صحيح ..؟

ألا تتفق معي أن الصدق لا يساوي أكثر منه في تلك الأوقات التي حجبت الشمس الأكاذيبُ..؟

وأن ليس أفضل من الكلام  منه في زمن الضجيج ؟

وعندما يولول الجميع …على صاحب الحق أن يصرخ ؟
أن يجهر ، أن يكون الأعلى صوتا….لا أن يصمت .

لأنه كفضيلة توزيع الماء وقت القحط وسوقه السوداء …لأنه الثورة وقت الظلم .

فإذا كان جهادا أن يقال الحق حين يجبن الدهماء….فهل نصمت يوم  ضجيج  الجبناء ؟

 

واليوم حمل السلاح هل يختلف عن الكلام …. و كل موت كان وراءه كلمة

ووقت الرصاص الظالم… لا أوجب من الرصاص العادل..
والكلمة الخاطئة  كالرصاصة الخاطئة غير قابلة للتعويض ..

لكنه ثمن أن تكون حر الإرادة.

وبالصمت قد تنجو…لكنك لا تفوز.
بالصمت قد تنجو أنت …لكن لن ينجو غيرك.

 

 

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم..

جئناك. كن -يا أمير- الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم.

قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك

فارسًا،

وأخًا،

وأبًا،

ومَلِك!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من قصيدة لا تصالح ، أمل دنقل

وقت الرصاص

حكايات طابور البنزينة

هذه تجميعة لتغريدات ذات ليلة عن طوابير الينزينة…
تحت هاش تاج #حكايات_طابور_البنزينة

وتم تمغيطها لجعلها أقرب للحكاية الساخرة
……………………………….

img_1359654317_398

بدأت الحكاية عندما تأزمت حالتي …وقرأت في دعاية ممولة في صفحة في الفيس عن جلسات علاج جماعية.. للمتضريين نفسيا من طوابير البنزينة…

في الأول نحسابها زي صفحة علاج الصلعة في تركيا يبو 2000 يورو  فقط لا غير ..فسارعت للحظر…لكن اتضح انها مجانية فذهبت…
كان المكان المختار لاوادجو سيارات خلف شيل مغلق منذ سنوات من أجل مجابهة الماضي الأليم كما قيل لي..

جلسنا في دائرة جميعنا على بانقات بنزينة….وكل حد يحكي علي تجربة عاشها في طابور البنزينة حتى يخرج الغضب داخله ..
ترددوا الجماعة كلهم…
لكن أني رائحة البنزنية رقت عليا من البناقا ..فرفعت يدي ..
– اه ..لدينا شخص شجاع هنا…رحبوا بيه..تفضل

– أهلا ..أني محمد…وقفت في طابور بنزينة 24 ساعة ..
صفق الجميع ..مهنئين لي باعترافي ..

وبدأت…:
بعد بحث دؤوب عن الشيل ابن الحلال والسؤال عن أحواله وطول طابوره ..وعدد اماكينه ..وقداش ساعة يفتح…
– طبعا الشيلات اللي طابروها قصير هذه بنسبة كبيرة كمين …لأنها مسكرة وطوبواتها متقلعات ..بسبب دعكة نجم عنها رقبة غالبا.
..لكن في بعض الناس عندنا عندهم ديما أمل خرافي …أنه فجأة الشيل يتصلح ويفتح……نظام واحد معبي جابية حوازتهم مية..وحصل صنارة مشي يصطاد فيها..منه يعيش أجواء رامي الصياد الصغير ..ومنه مرات الزغلان تطور وأصبح كلب بحر..
رد بالك تبعهم-

المهم نعودوا لموضوعنا..
وقع الاختيار علي شيل السعادة …

ووصلت ..
.شعور أنك آخر واحد…كل هاؤلاء قبلك
تشعر تجاههم بالغيظ …أنتم سبب الزحمة …تو معلقولة جميعكم ما عندكم بنزينة..؟؟؟
امالا منو مداير الزحمة في الطرق ” سؤال منطقي كما ترى”…
شوية يجي حد يدرس وراك …فتصبح أنت من هاؤلاء الأوغاد…
في بداية الأمر تكره كل من في الطابور …وتتعامل بحذر ..وفور أن يتحرك اللي أمامك ..تجري تتحرك بعده ..وتلصق فيه ..
وتنزل تفنص .نظام كل حد يشد مكانه في الطابور…” طبعا غالبا عند بوابة الشيل الجماعة تخش في المعاكس وتنقيز…لكن لأنك لا ترى الشيل أصلا ..فالشيء التي لا تراه ..هو غالبا غير موجود”

لكن بعد فترة – نتحدث عن ساعات هنا – تدرك أنه لكي تصلوا جميعا لابد أن تكونوا يدا واحدا أنت وجيرانك في الطابور..لا سيما ضد كل من يحاول يزقب في النص…فأنت ستحتاج أن تذهب للجامع القريب…ولحمامات الجامع القريب..
وتحتاج تمشي للمقهى ..ويمكن تحتاج حتى تمشي للحلاق اللي جنبه..
لهذا ستضطر لترك سياراتك…والطابور قد  يتحرك فجأة  فمنو بحركلك سيارتك…لهذا وبسلاسة تلقى روحك متصاحب مع الجماعة اللي حولك ..وتلقى روحك ماشي للقهوة وجايب سيرة طواسي نيسكافيه للجماعة…
والراجل اللي وراك يطلع شكارة تمر تاكلوا منها جميعا…ومرة مرة ..يتحرك الطابور فجأة ..فينقز الجميع للسياراتهم ..وهم يضحكوا ..” زود يا حمد لا ياخدوا دورك “…صداقة نقية كما ترى

توصي جارك علي السيارة ..يدفها كان تحرك الطابور..تخليها فولا..وتنطلق بتجاه الهدف “جبل مارودر”..قصدي الشيل…لازم نعرف شن صاير غادي أصلا ..بالك مافيش شيل أصلا …

وتمشي في الطابور الطويييييل ..وتفكر تقول لروحك ” هل تعلم  يا محمد أنه لو ربطت شنق كل هذه السيارات فإنها ستشكل حبل من هنا إلى القمر”
تظلم عليك الدنيا وأنت في الطريق …لكن تلقى عوالم في الطابور..تجمعات بشرية وعرقية…
جماعة يديروا في مبكبكة في صندوق التيويتا….
شباب مقعمزين يدربكوا ويغنوا

كشك دخان طلع من العدم
حضرة عيساوية والجماعة تجذب….” ما تستغربش صارت في الميدان في آخر مظاهرتين”
جماعة مدايرين ختمة..
واحد مداير سطل مية ويلمع في الديسكوات  والمرش

فتولي لسيارتك وترقد….

تمر الأيام واليلالي …تصب المطر مرات…ومرات نو…ومرات قبلي …
الحاج صبحي قدامك ..في وحدة من الوقفات خدم جارسيوني تستاتا للتيوتا بتاعه
لكن في الأخير …توصل…العديد انسحب لكن انت صمدت….

توصل قريب  لأسوار الشيل. تشوف من بعيد علامة الراحلة… وتجيك الرعشة .. البعض سقط يبكي .. تريس شنابوات تضبط في بعضها..
لأنه عند سلاسل الشيل .. حتى الفروخ-  الفروخ فقط اللي شدوا الطابور طبعا- يحترموا أنفسهم لانهم وصلوا بعد رحلة ارتقاء مع النفس…
خاضوا فيها جميع الامتحانات ..وعرفوا فيها تفاهة الحياة ..وتفاهة أنفسهم..

هوا صحيح وين قريب توصل لفم الشيل يقولولك إن البنزينة تمت وستنتظر لأجل غير معلوم” زي انتظار الدستور هكي”…… لكن خلاص أنت وصلت لمرحلة رهبان التبت في الصبر والتسليم بالقدر ..وتبتسم في تسليم ..

ولكن فجأة عندما يفتح الشيل …تخش بعضها ..
يحصل ذلك الجنون ..عند عنق الزجاجة .. في مدخل الشيل وما حوله …هبال ..عياط وصياح …ورصاص ..وناس تجري في الطريق واللي شاد الثاني يضرب فيه بمفتاح انجليزي..
خلاص معادش في طابور..ولا كبير ولا صغير ..

حتى الأصدقاء اللي درتهم طول الطريق ..ينقلبوا لوحوش…حتى الحاج صبحي اللي شريتله شويشة زبادي…وين تجي جنبه يحذفك بيها على ودنك…علاش يا حاج صبحي..ظننت أننا أصدقاء..عندما قلت لي بارك الله فيك يا وليدي …ألم اشحط معاك ضاضوات التستاتا ؟؟؟؟

بعيني رأيت سيار سراتو صفار ..تدف في سيارة تيوتا 88..الكتف في الكتف.. الهيكل تعوج … لكن السيراتو ما وخرش .. خلاص ..الجنة علي بعد خطوة..
تتوكل علي الله وتقفز في الخضم…تخوى هذا..وتلتف..وتصكر راسك…وتخاف ..وتفرح وتعيط…وتتاسف..وتلعن ..

وفي لحظة سلو اموشن بالبطيئ..تزرق سيارتي الميكرا بين الصفوف لتقف بين يدي كاهن مكينة الشيل .. يبتسم في سيطرة…كل ما حدث ويحدث هو خارجه…خارج الزمن …

تقوله وأنت تتنفس بسرعة …عبيلي يا عمي بالله ..رغم أنه أصغر منك .. لكن لازم تحترم هذا الكائن الاسطوري…
يرد عليك في هدوء:” بالشوية يا وليدي ..كلكم تعبوا اليوم”…تقوله ..اني فتحة التنك من الجيهة الثانية..عادي..؟؟
يقولك مش مشكلة …

تتعبى السيارة فلل…والبنزينة تسقطر برا ..يجي بياخذ الطوبو..فتقوله في توحش:مازال ..ليس بعد.. وتبدا تهز في الهيكل شفتهم يديروا فيها…فكرة عبيطة …لكن العقل فقدته من لما الينزينة بدأت تأشر..

تعرف أنه سيرفض لكن لازم تحاول تقوله يا خونا بالله عندي بانقا كانا فيها كيف..
-لا
باهي شيشة كفره
-لا
حكة شوروبو كحاحة محدش هيورق
-لا
وبعد أن تيأس أنه يعبيك اي شيشة فتطلع محرمة الوالد من جيبك وتقوله علي الأقل..زرزقلي عليها شوية .. خليها ذكرى عزيزة..

ثم تنطلق تسطرب ..الجميع يطلع يسطرب …هاربين من حقيقة أنهم وحوش …يحاولون الفرار من الشيل لأنه يذكرهم بأنهم كانوا مستعدين للقتل من أجل بانقا…وأن البعض قد قتل فعلا من أجلها…

انهيت قصتي …فصقك لي الجميع …وتم اعطائنا بلاكيت بنزينة كهدية ..!!
لكن  أني قطعت البلاكيت لأن شيل السعادة  سكر تم حرقه وصاحب الشيل تم ضربه بشيته في دماغه في الزحمة …!!

حكايات طابور البنزينة

24 الساعة الأولى -1

استجابة لنداء الجماهير -وعلى المريب أن يسأل الجماهير..هئ-

هذه تدوينة نوع من تدوين الذكريات وإفراغ ما تبقى منها في الدهن لفترة سجني أثناء الثورة أحاول أن اجعلها عدة تدوينات كسلسلة.

وهي أيضا محاولة لإعادة نظر لها وتحليل أكثر منها سردا…الأمر الذي سيحدث رغما عني.

تدوينات مملة وطويلة …. للنفس وللأصدقاء المهتمين.

…………………………………………………………

 

كنت قد حكيت عن كيف تم اعتقالي في هذه التدوينة ” الطريق إلى السبعة وسبعين“..

الليلة ستاحدث عن أول ليلة قضيتها في معسكر السبعة وسبعين المجاور لباب العزيزة والذي كان مقر الحرس الشعبي ” المتطويعين” أسوء الأصناف في كتائب القذافي.

 ” وهنا نحن نذهب”:

دخلنا للمعسكر قرابة الساعة الثانية صباحا….الكليبشات ويداي خلف ظهري ..ورأسي مغطى بتيشيرت …عندما دخلنا وسعمت كلامهم في البوابة فقدت الأمل في العودة الليلة لحوشنا.
الأمر أصبح رسميا ..لا أحد يخرج ببساطة ..ربما أخرج غدا ..لكن ليس اليوم ..:D

توقفت بنا السيارة وانزلاني المتطويعان اللذان احضراني…رأيت عبر التيـشرت أشجار زيتون …لسبب ما أتاني هاجس أنهم أحضراني هنا لقتلي …بدأت أقرأ آية الكرسي..

سألني السمين فيهم: ” علاش تقرى في القرآن؟ ..مش هنقتلوك” ضاحكا….قلت في نفسي :” اها ..صدقتك يا سمينة”

لم يقتلاني كما هو واضح هئ….ثم تم اقتيادي لمبنى …وعندما دخلنا تم فك الأصفاد ونزع الغطاء.

موقف محرج الحقيقة…هو ما كيف من المفترض أن يتصرف الإنسان مع سجانيه..هل يقاوم بحركات يائسة …أو يستنجد بما يدعي أنه تعقل والذكاء ويصطنع الطاعة ..؟
لكن عدم فعل شيء كان خياري..الصمت والنظر للامكان.

وأعتقد أنهم هم أيضا يعانون من هذا “في المؤسسات الرسمية الإجراءات الثابتة في العادة تنقذ الجميع من هذه المواقف حيث هناك سلسلة من الأجراءات المعروفة ..لكن هذا المكان لم يكن سجنا”
لهذا يسارعون ويسألون ” شن مداير” …كأنهم يبحثون عن سبب يجعلهم يغضوب منك ..لا أحد يستطيع أن يغضب فجأة ويضربك بدون سبب…الكل يبحث عن سبب حتى ولو تافه…البعض يبحث عن هذا في عينيك..إن نظرت إليه طويلا أو نظرة تحدي يفرح بهذا ” خيرك تشبح…” هذا سؤال لا جواب له لا يثير الغضب .

المهم لم يكسر الجليد أحد..جاءني شخص يحمل كلاشنكوف ..وتم اقتيادي للطابق الأول …ممر ضيق طويل ..على اليمن والشمال أبواب مكاتب..
وجدت مجموعة من رجال ينامون في الممر ..اتضح بعد هذا أنهم مثلي معتقلون.
وصلني ناحية الجانب الاقل زحمة من المرر حيث كان ينام شخصان ..أو يصطنعان هذا …
” القاعدة رقم واحد..لا ترفع رأس ولا تنظر للشخص القادم”
أمرني ” ارقد هني” …ومن قال نبي نرقد أصلا.

نزلت علي الزليز مش عارف حتى كيف المفروض نقعد والا نرقد… بدا ليه خاطر ” باعتبار الدنيا ليل والواحد يرقد توا والصبح يصير خير ” بدا كخاطر سخيف..( الخواطر السخيفة ستلازمني طول فترة السجن ..نظرا للعبثة في كثير من الأحداث هناك)

بدأت أفكر في أهلي …في البداية هو نوع من الحرج منهم …ولوم النفس …ثم محاولة تخيل سيناريو جميل أعود فيه للبيت سريعا ..وتصبح هذا الأمر حكاية مضحكة.
قدامي بالضبط الحمام ..

وبجاني الشخصين اللي هيقعدوا معاي لآخر يوم في السجن ” أبو بكر الرياني” و ” محمد الهويدي” تم اعتقالهما معا.. شخصيات غريبة ..
لكن في ذلك الوقت لم يكونا يفعلان شيء غير اطلاق التوهات والصراخ الصموت……من أسوء نتائج التعذيب التي رأيتها في حياتي.
تم القبض عليهم في منطقة الرياينة …
الحاج ابوبكر في خمسنيات العمر ..والهويدي أربعيني..
تم ضربهما بنية القتل …ربطهما من أقدامهما و جرهما بسيارة على الاسفلت ..أماكن نخصات حربات البنادق منتشرة …أحد أذني ابوبكر كانت مثقوبة والدم متجد هناك..ضلوع مكسورة.
هذا المنظر جعلني اشعر بالرعب ..هذه الأشياء تحدث وقد كنت سابقا أسمع عنها..لكنها الآن أمامي وهذا هو الدليل …

الأسوء هناك أنه كلما كان منظرك سئيا وتم تعذيبك بشدة، كلما جعلك هذا هدفا للمزيد من التعذيب ..حيث يترسخ لدى الحراس والزوار من أفراد الحرس الشعبي أنك مداير عمله ومن الجردان فعلا ..
” لأن جميع الأوغاد الآخرين يكذبون…لا أحد منهم يعترف أنه جرد ..الكل يقول أنه لم يفعل شيئا”..لكن هاؤلاء لابد أنهم جردان حقيقيين ..ربما تم امساكهم في الجبهة…ليتم تعذيبهم هكذا.

كان كل شوية يصعد لنا شخص ..في الغالب سكران..ولأن المكان لم يكن سجنا ..فكان الأمر فوضى أي شخص يصعد ويضرب الجردان.
أحدهم كان بحجم جاموس يمشي على قدمين ..وقف علي رأسي ” أنت شنو مداير ..؟”
يا إلهي الواحد شنو بيقول ” ما درت شي…شدوا عندي لاب توب في مقطع ..عادي ”
-” فون طوب..؟؟؟” هكذا نطق كلمة لابتوب…أتبعها بركله في رجلي …ثم أخرى ..
ثم لاحظ الهويدي المسكين ..تركني وانهال عليه ضربا بدون حتى سؤال ..أخد يضربه بالكلاشن على راسه ووجه..والآخر يتوسل..” شكرا لك صديقي هويدي على انقاذي ليلتها”

مرت الساعات في الدعاء والقرآن ..

مع الصباح بدأ النائمون ينهضون كل في مكانه…
أحضروا لنا عصير وبريوش كفطور …
طلب مني ابوبكر مساعدته في النهوض للحمام …وكان يصرخ عند لمسه من أي مكان…كان يقف على خمس مراحل..
ولم يكن يستطيع امساك أي شيء بيده..وصديقه ليس أحسن منه حالا.

نظرت للمكتب الذي كنت أنام تحته ” مكتب العقيد فلان، غرفة العلميات” ..قلت في نفسي الناتو لن يجد مكان أفضل من هذا لقصفه….الشيء الذي حدث بالفعل بعد حوالي 24 ساعة.. وتم تدمير المبنى بالكامل …لكن وقتها كان قد تم ترحيلنا لسجن ابوسلم.

بحجة الصلاة استطعت التحرك للجهة المقابلة من الممر والاختلاط بالمعتقلين هناك…كانوا قرابة عشرة أشخاص.
– منصور الزنداح من الخمس، فوزي عبد العال من الخمس ، لؤي من طرابلس ، علي من الزنتان ، محمد الفالح من صبراته والآخرين نسيتهم …والكل تقريبا كان مزرق العينين أو رأسه متورمة ….أحدهم مازالت رصاص في قدمه تنزف ببطئ.
الكل بدأ يسألني عن سبب القبض علي …طبعا من باب الحذاقة قلت أن الأمر خطأ ..ومجرد مقطع في اللابتوب أسيء فهمه…” موضوعك ساهل ما تخافش …تو غر يحققوا معاك وتطلع”
الظريف إن مثل هذا الكلام كان يطمن فيا فعلا …والتعلق بالأمل سيستمر طوال ثلاثة شهور.
كل صباح يولد من جديد

عدت لمكاني بعد أن صعد أحد العسكريين …كان يحمل رتبه بعكس الزائرين من المتطوعين …
بدأ يلف علينا بالواحد ..وكان سؤاله الوحيد ” انت من وين؟”
ثم يبدأ في شتم تلك المنطقة …والصراخ عاليا …ثم يقول ” لا حول ولا قوة الا بالله ” التريس تمت في الجبهات
ثم يعود للشتم ..مع صمت الجميع احتراما لشتائمه..وهذا هو الحال ….
منذ دخولك تفقد أي أرضية للوقوف عليها …يعود الجميع كلأغنام ..إلا بعض الشخصيات النادرة ..
الطبيعي أن تفقد أي شيء يميزك عن غيرك …تصبح أصلا تكره أصلا أن يميزك شيء…
تصبح تتمنى أن تكون لا أحد ..شخص غير مرئي بين الجموع ..حتى لا يمت الانتباه لك وسؤالك عن أي شيئ.. لا أحد يريد أن يكون بطلا هنا….لأنك هنا – وبخلاف الحياة الواقية- تدفع دائما ثمن البطولة.

لا مجادلة لا منطق لا حجة لا ردافة لا صياعة لا حداقة ولا تبرويل و لسان مليح ينفع في ذلك الموقف..
تتلقى الشتائم وأنت ساكت…
حتى محاولة لإجابة متذاكية من عجوز مخضرم مثل ابوبكر الذي حاول أن يستخدم فيها تكنيك ” أنا غالط ونستاهل ما يجيني و..”
رد عليها بشتائم أعلى صوة وأعمق في المستوى.

نزل وتركنا ..

بعدها جيئ لنا بالغداء ..وهو مكرونة
وهنا لاحظت أن أحد الشباب المعتقلين شجاع جدا…كان يترك مكانه ويذهب يتحدث مع الحراس …بل ويأخذ منهم السجائر..كان ذكيا..وبعض الحراس كان غير عدائي ..فكان يختارهم بذكاء…كان علي من الزنتان لكن لهجته من طرابلس ..
هذا الشخص اطلق صراحه في نفس اليوم ..سبب إمساكه كان تافها ..وجدوا في سيارته ورقة مكتوب فيها مراكز قيادية كتبها هو وأصحابه واختار لنفسه محافظ مصرف ليبيا المركزي…كان واضح أنه مزاح..لكنه وقع في المكان الخطأ وبما أنه كان من الزنتان فاعتقل..
خرج ذلك اليوم ليلا…قبل أن يخرج وقف علي فجأة وسألني عن رقم هاتف أي شخص من عائلتي حتى يكلمهم بعد خروجي ويطمئنهم علي ..قلت له رقم والدي بفقدان أمل ..ذلك أنه لم يسجله في ورقته..ثم أنه مر علي الجميع وفعل نفس الشيء…قلت ” تو معقوله بيحفظ أرقامنا كلها التي سمعها مرة واحدة”
حسنا الباين أنه كان عبقري ..لأنه فعل…بعد ما خرجت بشهور اخبروني أنه شخص زناني اتصل بيهم بعد اعتقالي بثلاثة أيام واخبرهم بمكاني …
قابلت علي بعد الثورة بسنة …كان لتوه قد عاد من رحلة علاج…قطعت رجله …بعد خروجه صعد للزنتان وشارك في المعارك وأصيب في القلعة ..وقطعت رجله..بعد عوده من العلاج أنهى فصله الأخير في كله الهندسة في جامعة طرابلس وتخرج ..أخبرني أنه ربما يتحصل على بعثه دراسه …كانت معنوياته كمثل ذلك اليوم عالية ولا يكن عن الابتسام والضحك.

بعد الظهر تم استدعائي للتحقيق ..
وجدت ضابطين في غرفة التحقيق …

وجدت على الطاولة لاب توبي ..
لكن من أحضرني البارحة لم يخبرهم لم أحضرني ..
وعرفت هذا من أسئلتهم ..وهم لم يهتموا بي ..كنت مجرد شخص آخر احضره المتطوعين الحمقى ..
أخذوا بياناتي ..وكتب لهم عنواني وغيره ..ثم أعادوني للممر مع الرفقاء..
الأمل بث الأمل في قلبي أكثر …لا أحد يهتم بي هنا…ومن أمسكني لن يعود ثانية ..

حسنا كنت مخطئا ..عاد السمين مع العصر …وجاء يسأل عني ..ثم صعد إلي ” شنو مازلت ما تبيش تعترف..خوك من آمس يتصل ” كان يحتفظ بهاتفي الفقيد ..
عندها دعيت للتحقيق مرة أخرى …وهذه المرة مع صرامة أكثر ودفان وتهزيب …” افتح اللي في اللاب توب ..وينه المقطع” …
اللعنة …فتحت المقطع …ومن أول المقطع والشيخ يكفر القذافي ويدعوا للحرب عليه ..
” خلاص خلاص ..واضح ..ليلتك ليلة …يا…”
مرة أخرى ليس هناك رد يمكن أن يفيد …
عدت للرفاق والأمل قد ضاع …
تتشت الأفكار …والسمين تحدث عن أخي…هل سيذهبون وشدوه هو الثاني…
عندما يكون الوضع محكم الإغلاق …

بعد ساعة كان الضابط ينادي باسمي من الطابق الاسفل بأعلى صوته…
نزلوني الحراس يجروا بيا …المصيبة قادمة..
سألني الضابط” اللاب توب هذا ليك ؟” ..”ايه بتاعي “..
” باهي ..افتحلنا فيلم …عندك فيلم القطعة 13 ” …ماذاااا
” ايه عندي ..” بالك الواحد يكتسب صداقة .
فتحتله الفيلم ..وتم أرجاعي ..
بعد نص ساعة ..الصوت ينادي من جديد ” ابوو غرارااااا”
نزلت نجري مجددا ..
” خيره انطفي ..”
” اه..الشحن ..يبي تركيب الشحن”
.

.

.

” نكمل قريبا “

24 الساعة الأولى -1

حتى الموت

 

 

 

1625474_617891648297238_1954426699377819554_n

 

 دعيت لحضور عقد قران صديقي عمر في مسجد مولاي محمد.

بعد صلاة العصر ..قال الإمام أن هناك صلاة جنازة .

في الباحة كانت التابوت وحيدا ..ليس حوله أحد..وأحدهم يتسائل من أهله .كان من الواضح أن لشخص غريب  أو مجهول .

حمل النعش لمكان الصلاة ..وبعد أن صلينا …حملنا التابوت للسيارة في خارج المسجد..هناك وجدت أصدقاء الميت ..اثنين من الأفارقة ..سلم علي أحدهم بحرارة شاكرا.
سأله من أين قال تشاد.

فكرت أن الرجل -غالبا- وجد راحته …أظن أنه و منذ الطفولة وهو في الشقاء وتقشف العيش… ثم بعد أن عدم اللقمة في بلده هاجر كادحا, تلك الرحلة اللا إنسانية عبر الصحراء مختبئا في تجاويف الشاحنات..إلي الجنة ليبيا.
ولابد أنه لم يعدم هنا ولو في موقف واحد على الأقل من ينعته بالعبد أو الوسخ..
نادرا ما عومل على قدر المساواة.
ترى أحدهم قد نخرت السنون عوده وبرنامجه اليومي لم يتغير منذ مراهقته …تعب وعمل حتى التعب والنوم… وهكذا حتى الموت.
العالم لن يكف عن ظلم أفريقيا, ويوم تثور هذه القارة الجاهلة الفقيرة المريضة ضد العالم سأكون معهم.

حتى الموت